القرطبي
437
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقال القتبي : " نفصل الآيات " نأتي بها شيئا بعد شئ ، ولا ننزلها جملة متصلة . ( ولتستبين سبيل المجرمين ) يقال : هذه اللام تتعلق بالفعل فأين الفعل الذي تتعلق به ؟ فقال الكوفيون : هو مقدر ، أي وكذلك نفصل الآيات لنبين لكم ولتستبين ، قال النحاس : وهذا الحذف كله لا يحتاج إليه ، والتقدير : وكذلك نفصل الآيات فصلناها . وقيل : إن دخول الواو للعطف على المعنى ، أي ليظهر الحق وليستبين ، قرئ بالياء والتاء . ( سبيل ) برفع اللام ونصبها ، وقراءة التاء خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين . فإن قيل : فقد كان النبي عليه السلام يستبينها ؟ فالجواب عند الزجاج - أن الخطاب للنبي عليه السلام خطاب لامته ، فالمعنى : ولتستبينوا سبيل المجرمين . فإن قيل : فلم لم يذكر سبيل المؤمنين ؟ ففي هذا جوابان ، أحدهما - أن يكون مثل قوله : " سرابيل تقيكم الحر " ( 1 ) [ النحل : 81 ] فالمعنى ، وتقيكم البرد ثم حذف ، وكذلك يكون هذا المعنى ولتستبين سبيل المؤمنين ثم حذف . والجواب الآخر - أن يقال : استبان الشئ واستبنته ، وإذا بان سبيل المجرمين فقد بان سبيل المؤمنين . والسبيل يذكر ويؤنث ، فتميم تذكره ، وأهل الحجاز تؤنثه ، وفي التنزيل " وإن يروا سبيل الرشد " ( 2 ) [ الأعراف : 146 ] مذكر " لم تصدون عن سبيل الله " ( 3 ) [ آل عمران : 99 ] مؤنث ، وكذلك قرئ ( ولتستبين ) بالياء والتاء ، فالتاء خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته . قوله تعالى : قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ( 56 ) قوله تعالى : ( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ) قيل : " تدعون " بمعنى تعبدون . وقيل : تدعونهم في مهمات أموركم على جهة العبادة ، أراد بذلك الأصنام . ( قل لا أتبع أهواءكم ) فيما طلبتموه من عبادة هذه الأشياء ، ومن طرد من أردتم طرده . ( قد ضللت إذا ) أي قد ضللت إن اتبعت أهواءكم . ( وما أنا من المهتدين ) أي على طريق رشد وهدى .
--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 159 . ( 2 ) راجع ج 7 ص 282 . ( 3 ) راجع ج 4 ص 154 .